pressglobale pressglobale
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

رغم التوترات.. 23 مليار يورو تربط المغرب بإسبانيا


على الرغم من تصاعد التوترات المرتبطة بسبتة وغيرها من الملفات الخلافية، لم يسبق أن بلغ الترابط الاقتصادي بين المغرب وإسبانيا هذا المستوى. فالتجارة والصناعة والسيارات والمنسوجات والسياحة والطاقة أصبحت تشكل شبكة متشابكة من المصالح، تجعل أي مواجهة طويلة الأمد مكلفة للطرفين.

في عام 2025، وصل حجم المبادلات التجارية بين البلدين إلى مستوى قياسي بلغ نحو 22.757 مليار يورو. ويكشف هذا الرقم حجم المفارقة التي تحيط بالعلاقات الحالية: فبينما يمكن للرباط ومدريد تشديد مواقفهما السياسية والدبلوماسية، فإن الوصول إلى قطيعة اقتصادية فعلية سيكون أكثر تعقيداً، نظراً للكلفة التي سيتحملها اقتصادا البلدين.

ووفق بيانات أوردتها وكالة الأنباء الإسبانية (إيفي)، ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 3.5%، لتبلغ 6.42 مليار يورو. وفي الاتجاه المقابل، زادت واردات إسبانيا من المنتجات المغربية بنسبة 4.1%، لتصل إلى 5.795 مليار يورو.

وتظل إسبانيا الشريك التجاري الأبرز للمغرب، سواء من حيث التوريد أو استقبال المنتجات المغربية. كما يتجاوز عدد الشركات الإسبانية العاملة في المملكة 350 شركة، تنشط في مجالات متعددة، من بينها السيارات والبنية التحتية والطاقة والخدمات المصرفية والمنسوجات والسياحة.

السيارات.. سلسلة إنتاج عابرة للحدود

يُعد قطاع السيارات من أكثر القطاعات التي تكشف عمق الترابط بين الاقتصادين. فالمغرب يصدّر نحو 90% من إنتاجه من السيارات، وتستحوذ السوق الإسبانية وحدها على قرابة 20% من هذه الصادرات.

وتوجد مصانع رينو في طنجة والدار البيضاء، إلى جانب مصنع ستيلانتيس في القنيطرة، ضمن منظومة صناعية ترتبط بشبكة واسعة من الموردين والمصانع الأوروبية. كما تساهم أكثر من 90 شركة من قطاع السيارات في إقليم الباسك في تزويد الصناعة المغربية بالمكونات والخدمات.

وتعمل شركات إسبانية وأوروبية كبرى، من بينها جيستامب وأنتولين وCIE Automotive وفيكوسا، داخل السوق المغربية، مستفيدة من القرب الجغرافي وتكاليف الإنتاج والارتباط الوثيق بالسوق الأوروبية. ولهذا يصعب على الشركات استبدال هذه الشبكة بسرعة بموردين من آسيا أو مناطق أخرى.

المنسوجات.. حلقة أخرى في سلسلة الاعتماد المتبادل

لا يقل قطاع النسيج حساسية. فالمغرب يشكل أحد المراكز الرئيسية للموردين والمصنعين المرتبطين بسلاسل التوريد العالمية لمجموعة إنديتكس الإسبانية، المالكة لعلامات تجارية عالمية في مجال الأزياء.

كما تدير المجموعة عشرات المتاجر في المملكة، ما يجعل أي اضطراب في العلاقات الاقتصادية قابلاً للتأثير في اتجاهين: الطلب المغربي من جهة، وسلاسل التوريد والإنتاج المرتبطة بالسوق الإسبانية من جهة أخرى، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على فرص العمل.

السياحة تعمّق الروابط

وتضيف السياحة بعداً مهماً إلى هذه العلاقة. ففي عام 2025، استقبل المغرب نحو 4.6 مليون سائح إسباني، بزيادة بلغت 12% مقارنة بالعام السابق، لتصبح إسبانيا ثاني أكبر سوق سياحية للمملكة بعد فرنسا.

وفي المقابل، تتمتع مجموعات فندقية إسبانية كبرى، مثل بارسيلو وميليا وإيبيروستار، بحضور مباشر في السوق المغربية. وبالتالي، فإن أي تدهور كبير في العلاقات لن ينعكس فقط على حركة السياح، بل قد يمتد إلى الاستثمارات الفندقية والخدمات المرتبطة بها.

الطاقة.. اعتماد متبادل أقل وضوحاً

تظهر أهمية العلاقات الاقتصادية أيضاً في قطاع الطاقة. ففي عام 2025، ساهمت إسبانيا في توفير ما يعادل نحو 8% من احتياجات المغرب من الكهرباء، إضافة إلى تزويده بحصة مهمة من المنتجات البترولية.

ويعمل البلدان كذلك على تطوير خط ربط كهربائي ثالث عبر مضيق جبل طارق، وهو مشروع يعكس استمرار التعاون في قطاع استراتيجي، رغم الخلافات السياسية المتكررة.

من يملك ورقة الضغط الأقوى؟

هذا الترابط الاقتصادي لا يلغي الخلافات السياسية أو صراع المصالح. فقد تدرس مدريد استخدام أوراقها في قطاع الطاقة للضغط على الرباط، بينما يمكن للمغرب، من جانبه، إعادة النظر في شروط وصول الشركات الإسبانية إلى بعض الأسواق والمشاريع المستقبلية.

لكن استخدام الاقتصاد كسلاح ضغط قد يأتي بنتائج عكسية. فكل خطوة تستهدف الطرف الآخر يمكن أن تؤثر في الوقت نفسه على الشركات والمستثمرين وسلاسل الإمداد الموجودة على جانبي المضيق.

وتبقى العلاقة، رغم ذلك، غير متكافئة من حيث حجم الاقتصاد وقدرته على تحمل الصدمات. فاقتصاد إسبانيا، الأكبر والأكثر تنوعاً، يمتلك قدرة أكبر على امتصاص تراجع التجارة الثنائية، بينما قد يكون المغرب أكثر حساسية تجاه أي اضطراب في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالسوق الأوروبية.

ومع ذلك، فإن حجم المبادلات الذي يقترب من 23 مليار يورو سنوياً، إلى جانب وجود مئات الشركات والاستثمارات وشبكات النقل والطاقة وسلاسل التوريد المشتركة، يجعل القطيعة الاقتصادية الشاملة خياراً شديد الكلفة.

وبعبارة أخرى، تستطيع الرباط ومدريد خوض معارك دبلوماسية وسياسية، لكن الاقتصاد يفرض عليهما في النهاية حدوداً واضحة. فالمصالح التي تراكمت على مدى سنوات جعلت البلدين مترابطين إلى درجة تجعل أي محاولة لمعاقبة الطرف الآخر تحمل في داخلها احتمال دفع ثمن اقتصادي من الجانبين.

عن الكاتب

pressglobale

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

pressglobale