عادت دعوات مجهولة المصدر إلى الواجهة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحث على تنفيذ محاولة عبور جماعي جديدة نحو مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، وسط تداول واسع لمنشورات ورسائل تحدد يوم 15 أوت/أغسطس الجاري موعدًا للتحرك.
وتشير معطيات إعلامية حديثة إلى أن الدعوات تنتشر أساسًا عبر منصات مثل فيسبوك وواتساب، حيث يجري تداول رسائل تدعو الراغبين في الهجرة غير النظامية إلى الانضمام إلى مجموعات مغلقة بهدف تبادل المعلومات والتنسيق. كما تتضمن بعض المنشورات عبارات تحفيزية وصورًا ومحتويات مرتبطة بالهجرة إلى إسبانيا وفرص العمل فيها.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "إل باييس" الإسبانية خلال الأيام الأخيرة، فإن آلاف الشباب المغاربة يناقشون عبر فيسبوك وواتساب إمكانية تنفيذ محاولة دخول جماعية إلى سبتة يوم 15 أوت، بينما تتباين ردود الفعل بين من يدعو إلى المشاركة ومن يحذر من المخاطر، خصوصًا بعد الخسائر البشرية التي رافقت محاولات العبور السابقة.
شبكات التجنيد تغيّر أساليبها
ولا تبدو هذه الدعوات معزولة عن نشاط أوسع على شبكات التواصل. فقد أشار تحقيق آخر نشرته الصحيفة نفسها إلى أن مجموعات كانت تستقطب أعدادًا كبيرة من الراغبين في الهجرة أصبحت أقل ظهورًا، بعد تعرضها لضغوط ومراقبة أمنية، فيما انتقل جزء من نشاطها إلى فضاءات أكثر صعوبة في الرصد، بينها مجموعات مغلقة على تطبيقات التراسل وصفحات تبدو في ظاهرها مرتبطة بالتوظيف أو بمواضيع شبابية.
وتفيد المعطيات نفسها بأن بعض هذه الشبكات تستهدف بصورة خاصة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، مستعملة خطابًا يركز على فرص الوصول إلى أوروبا وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
كما خلص بحث حديث لشركة Golden Owl المرتبطة بجامعة أليكانتي الإسبانية إلى أن شبكات التجنيد الرقمية لم تختفِ، وإنما أصبحت أكثر لامركزية وأقل وضوحًا، مع انتقال بعض عمليات الاستقطاب إلى قنوات خاصة. ويأتي ذلك في أعقاب موجة العبور الكبيرة التي شهدتها سبتة نهاية شهر يوليو الماضي.
15 أوت.. موعد يثير مخاوف جديدة
وتكتسب الدعوات المتداولة أهمية خاصة بسبب توقيتها، إذ تأتي بعد أزمة هجرة غير مسبوقة شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز/يوليو 2026، عندما وصل إلى المدينة عدد كبير جدًا من المهاجرين القادمين من الجانب المغربي.
ووفق تقارير إسبانية، بلغ عدد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة خلال تلك الأزمة نحو 72 ألف شخص، مع عودة الغالبية العظمى منهم إلى المغرب لاحقًا. كما خلّفت محاولات العبور البحرية خسائر بشرية كبيرة، في وقت لا تزال السلطات تتعامل مع تداعيات الأزمة، ولا سيما ما يتعلق بالقاصرين غير المصحوبين.
وكانت المدينة قد دخلت أصلًا في حالة ضغط شديد قبل موجة نهاية يوليو، بعدما وصل إليها أكثر من ألف مهاجر سباحة خلال فترة قصيرة، ما دفع سلطاتها إلى التحذير من تزايد الضغط على مرافق الاستقبال والإيواء.
هل يتعلق الأمر بمحاولة منظمة أم بحملة على مواقع التواصل؟
ويبقى من الصعب الجزم، في الوقت الحالي، بحجم المشاركة المحتملة في الموعد المتداول أو ما إذا كانت الدعوات ستتحول فعلًا إلى محاولة جماعية واسعة.
وتشير التحقيقات الصحفية إلى أن طبيعة هذه الشبكات أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فهي لا تعتمد بالضرورة على قائد مركزي واحد، بل على مجموعات ووسطاء وحسابات تعمل بشكل متفرق، وهو ما يجعل التحقق من عدد المشاركين الفعليين أو الجهة التي تقف وراء الدعوات أمرًا صعبًا.
كما أن تداول موعد محدد على منصات التواصل لا يعني بالضرورة أن محاولة العبور ستحدث بالحجم الذي تروج له المنشورات، إذ يمكن أن تكون بعض هذه الدعوات مجرد شائعات أو حملات استقطاب تستغل تطلعات الشباب ومخاوفهم لدفعهم إلى المخاطرة.
مخاوف من تكرار المأساة
ويأتي هذا الجدل في ظل تحذيرات متزايدة من المخاطر المرتبطة بمحاولات العبور غير النظامي، خصوصًا السباحة لمسافات طويلة في ظروف قد تكون خطرة.
وكانت سبتة قد شهدت خلال الأسابيع الماضية ارتفاعًا حادًا في أعداد الوافدين، مع تسجيل وفيات على الطريق البحري. وأفادت وسائل إعلام إسبانية بأن السلطات عثرت خلال الأشهر الاثني عشر السابقة على عشرات الجثث في سواحل المدينة.
وفي هذا السياق، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى عنصر أساسي في تشكيل صورة الهجرة لدى عدد من الشباب، إذ تنتشر عبرها قصص عن أشخاص نجحوا في الوصول إلى أوروبا، إلى جانب معلومات وشائعات حول طرق العبور، وهو ما قد يدفع البعض إلى التقليل من حجم المخاطر الحقيقية. كما أظهرت تقارير متخصصة أن تطبيقات التراسل، وفي مقدمتها واتساب، تُستخدم في تنظيم وتبادل المعلومات المتعلقة بمحاولات الوصول إلى سبتة.
السلطات أمام اختبار جديد
وتضع الدعوات المتداولة السلطات المغربية والإسبانية أمام اختبار جديد، خصوصًا بعد الأزمة التي شهدتها المنطقة نهاية يوليو.
وبينما لم يتضح بعد ما إذا كان الموعد المتداول في 15 أوت سيؤدي إلى محاولة جماعية فعلية، فإن استمرار انتشار هذه الرسائل يكشف عن تحول شبكات التواصل إلى أداة رئيسية في التعبئة والتنسيق بين الراغبين في الهجرة غير النظامية.
ويبقى التحدي الأكبر هو منع تحول هذه الدعوات إلى مأساة إنسانية جديدة، خصوصًا أن التجارب السابقة أظهرت أن الاندفاع الجماعي نحو الحدود أو البحر يمكن أن يؤدي خلال وقت قصير إلى سقوط ضحايا، في وقت تبحث فيه السلطات الإسبانية أصلًا عن حلول للتعامل مع تداعيات موجة الوصول الكبيرة الأخيرة.
وبذلك، فإن موعد 15 أوت لا يمثل حتى الآن حدثًا مؤكدًا، وإنما موعدًا متداولًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي تراقبه السلطات وسط مخاوف من تكرار سيناريو العبور الجماعي الذي شهدته سبتة نهاية يوليو الماضي.
